ابن كثير
270
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أي ماكثين أبدا وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك ، وعبد اللّه وحده لا شريك له . واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خير وطلب . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 77 إلى 79 ] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ( 77 ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 ) يقول تعالى مخبرا أنه أمر موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل ، ويذهب بهم من قبضة فرعون ، وقد بسط اللّه هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة ، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب ، فغضب فرعون غضبا شديدا ، وأرسل في المدائن حاشرين ، أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه ، يقول : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ [ الشعراء : 53 - 55 ] . ثم لما جمع جنده واستوسق له جيشه ، ساق في طلبهم فأتبعوهم مشرقين ، أي عند طلوع الشمس فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي نظر كل من الفريقين إلى الآخر قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الشعراء : 60 - 62 ] ووقف موسى ببني إسرائيل البحر أمامهم ، وفرعون وراءهم ، فعند ذلك أوحى اللّه إليه أن اضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً فضرب البحر بعصاه ، وقال : انفلق علي بإذن اللّه ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء : 63 ] ، أي الجبل العظيم ، فأرسل اللّه الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يبسا كوجه الأرض ، فلهذا قال : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً أي من فرعون وَلا تَخْشى يعني من البحر أن يغرق قومك ، ثم قال تعالى : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ أي البحر ما غَشِيَهُمْ أي الذي هو معروف ومشهور ، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور ، كما قال تعالى : وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى [ النجم : 54 - 55 ] وقال الشاعر : [ رجز ] أنا أبو النجم وشعري شعري « 1 » أي الذي يعرف وهو مشهور . وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد ، كذلك يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [ هود : 98 ] .
--> ( 1 ) الرجز لأبي النجم في أمالي المرتضى 1 / 350 ، وخزانة الأدب 1 / 439 ، والخصائص 3 / 337 ، والدرر 1 / 185 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1610 ، وشرح شواهد المغني 2 / 947 ، وشرح المفصل 1 / 98 ، 9 / 83 ، والمنصف 1 / 10 ، وهمع الهوامع 1 / 60 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 8 / 307 ، 9 / 412 ، والدرر 5 / 79 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 103 ، 290 ، ومغني اللبيب 1 / 329 ، 2 / 435 ، 437 ، وهمع الهوامع 2 / 59 .