ابن كثير

271

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 80 إلى 82 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام ، حيث أنجاهم من عدوهم فرعون ، وأقر أعينهم منه وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة ، لم ينج منهم أحد ، كما قال : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ البقرة : 50 ] وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة ، وجد اليهود تصوم عاشوراء ، فسألهم فقالوا : هذا اليوم الذي أظفر اللّه فيه موسى على فرعون ، فقال : « نحن أولى بموسى فصوموه » « 1 » رواه مسلم أيضا في صحيحه . ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن ، وهو الذي كلمه اللّه تعالى عليه ، وسأل فيه الرؤية ، وأعطاه التوراة هنالك ، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه اللّه تعالى قريبا ، وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها « 2 » ، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء ، والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد ، لطفا من اللّه ورحمة بهم وإحسانا إليهم ، ولهذا قال تعالى : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أي كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم ، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة ، وتخالفوا ما أمرتكم به فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أي أغضب عليكم وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أي فقد شقي . وقال شفي بن مانع : إن في جهنم قصرا يرمي الكافر من أعلاه ، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ الصلصال ، وذلك قوله وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى رواه ابن أبي حاتم . وقوله : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي كل من تاب إلي ، تبت عليه من أي ذنب كان ، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل . وقوله تعالى : تابَ أي رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق . وقوله : وَآمَنَ أي بقلبه . وَعَمِلَ صالِحاً أي بجوارحه . وقوله : ثُمَّ اهْتَدى قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي ثم لم يشكك . وقال سعيد بن جبير ثُمَّ اهْتَدى أي استقام على السنة والجماعة وروي نحوه عن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 20 ، باب 2 ، ومسلم في الصيام حديث 127 ، 128 . ( 2 ) في تفسير الآية 57 من سورة البقرة ، والآية 160 من سورة الأعراف .