ابن كثير
243
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما تحت هذه ؟ - يعني الأرض - . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « خلق » فقال : فما تحتهم ؟ قال « أرض » . قال : فما تحت الأرض ؟ قال : « الماء » . قال : فما تحت الماء ؟ قال : « ظلمة » . قال : فما تحت الظلمة ؟ قال : « الهواء » . قال : فما تحت الهواء ؟ قال : « الثرى » . قال : فما تحت الثرى ؟ ففاضت عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالبكاء ، وقال : « انقطع علم الخلق عند علم الخالق ، أيها السائل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » . قال : فقال صدقت ، أشهد أنك رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أيها الناس هل تدرون من هذا ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال « هذا جبريل عليه السلام » . هذا حديث غريب جدا ، وسياق عجيب ، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا ، وقد قال فيه يحيى بن معين : ليس يساوي شيئا ، وضعفه أبو حاتم الرازي ، وقال ابن عدي : لا يعرف . قلت : وقد خلط في هذا الحديث ، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث ، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه ، واللّه أعلم . وقوله : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسماوات العلى الذي يعلم السر وأخفى ، كما قال تعالى : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 6 ] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال : السر ما أسره ابن آدم في نفسه وَأَخْفى ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه ، فاللّه يعلم ذلك كله ، فعلمه فيما مضي من ذلك وما بقي علم واحد ، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة ، وهو قوله : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ « 1 » [ لقمان : 28 ] وقال الضحاك يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال : السر ما تحدث به نفسك ، وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد . وقال سعيد بن جبير : أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا ، واللّه يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدا ، وقال مجاهد وَأَخْفى يعني الوسوسة ، وقال أيضا هو وسعيد بن جبير وَأَخْفى أي ما هو عالمه مما لم يحدث به نفسه . وقوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي الذي أنزل عليك القرآن ، هو اللّه الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف وللّه الحمد والمنة . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) من هنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى ، وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه ،
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 393 .