ابن كثير
244
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم ، وسار بأهله قيل : قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته ، فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية ، ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب ، وجعل يقدح بزند معه ليوري نارا كما جرت له العادة به ، فجعل لا يقدح شيئا ولا يخرج منه شرر ولا شيء ، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا ، أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه ، فقال لأهله يبشرهم : إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أي شهاب من نار . وفي الآية الأخرى أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [ القصص : 29 ] وهي الجمر الذي معه لهب لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * [ القصص : 29 ] دل على وجود البرد . وقوله : بِقَبَسٍ دل على وجود الظلام ، وقوله : أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي من يهديني الطريق ، دل على أنه قد تاه عن الطريق ، كما قال الثوري عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً قال : من يهديني إلى الطريق ، وكانوا شاتين وضلوا الطريق ، فلما رأى النار قال : إن لم أجد أحدا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 11 إلى 16 ] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ( 13 ) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ( 15 ) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ( 16 ) يقول تعالى : فَلَمَّا أَتاها أي النار ، واقترب منها نُودِيَ يا مُوسى وفي الآية الأخرى نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [ القصص : 30 ] وقال هاهنا إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي الذي يكلمك ويخاطبك فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف : كانتا من جلد حمار غير ذكي ، وقيل : إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة . وقال سعيد بن جبير : كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة ، وقيل : ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل ، وقيل غير ذلك ، واللّه أعلم . وقوله : طُوىً قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو اسم للوادي ، وكذا قال غير واحد ، فعلى هذا يكون عطف بيان ، وقيل عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه ، وقيل : لأنه قدس مرتين ، وطوى له البركة وكررت ، والأول أصح كقوله : إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ النازعات : 16 ] . وقوله : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ كقوله : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه ، وقد قيل : إن اللّه تعالى قال يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟ قال : لا ، قال : لأني لم