ابن كثير

241

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رسوله صلّى اللّه عليه وسلم قام به هو وأصحابه ، فقال المشركون من قريش : ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى ، فأنزل اللّه تعالى : طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى فليس الأمر كما زعمه المبطلون ، بل من آتاه اللّه العلم فقد أراد به خيرا كثيرا ، كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » « 1 » . وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال : حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا العلاء بن سالم ، حدثنا إبراهيم الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب ، عن ثعلبة بن الحكم قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده : إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي » إسناده جيد ، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي ، ذكره أبو عمر في استيعابه ، وقال : نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة ، وروى عنه سماك بن حرب . وقال مجاهد في قوله : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى هي كقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : 20 ] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة . وقال قتادة : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى لا واللّه ما جعله شقاء ، ولكن جعله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى إن اللّه أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم بها عباده ليتذكر ذاكر ، وينتفع رجل بما سمع من كتاب اللّه وهو ذكر أنزل اللّه فيه حلاله وحرامه . وقوله : تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك ، رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء ، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها ، وخلق السماوات العلى في ارتفاعها ولطافتها ، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام « 2 » ، وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورضي اللّه عنه . وقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا ، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل . وقوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى أي الجميع ملكه ، وفي قبضته ، وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه ، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 10 ، والخمس باب 7 ، والاعتصام باب 10 ، ومسلم في الإمارة حديث 175 ، والزكاة حديث 98 ، 100 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 57 ، باب 1 .