ابن كثير
235
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
راغبا إليك ، ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 88 إلى 95 ] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام وذكر خلقه من مريم بلا أب ، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا ، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا ، فقال : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ أي في قولكم هذا شَيْئاً إِدًّا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك : أي عظيما . ويقال إدا بكسر الهمزة وفتحها ، ومع مدها أيضا ثلاث لغات أشهرها الأولى وقوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً أي يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاما للرب وإجلالا ، لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده ، وأنه لا إله إلا هو ، وأنه لا شريك له ولا نظير له ، ولا ولد له ، ولا صاحبة له ، ولا كفء له ، بل هو الأحد الصمد . [ المتقارب ] وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد « 1 » قال ابن جرير « 2 » : حدثني علي ، حدثنا عبد اللّه ، حدثني معاوية عن علي ، عن ابن عباس في قوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً قال : إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين ، وكادت أن تزول منه لعظمة اللّه ، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك ، كذلك نرجو أن يغفر اللّه ذنوب الموحدين ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا اللّه ، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة » ، فقالوا : يا رسول اللّه فمن قالها في صحته ؟ قال « تلك أوجب وأوجب » . ثم قال « والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ، فوضعن في كفة الميزان ، ووضعت شهادة أن لا إله إلا اللّه في الكفة الأخرى لرجحت بهن » هكذا رواه ابن جرير ، ويشهد له حديث البطاقة ، واللّه أعلم . وقال الضحاك : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن فرقا من عظمة اللّه ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، أي غضبا له عز وجل ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ، قال ابن عباس : هدما ، وقال سعيد بن جبير : هدا ينكسر بعضها على بعض متتابعات . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن سويد المقبري ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا
--> ( 1 ) البيت لأبي العتاهية في ديوانه ص 104 ، وتاج العروس ( عنه ) ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 383 .