ابن كثير
236
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
مسعر عن عون عن عبد اللّه قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان ، هل مر بك اليوم ذاكر اللّه عز وجل ؟ فيقول : نعم ويستبشر ، قال عون : لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره ، ثم قرأ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا هوذة ، حدثنا عوف عن غالب بن عجرد ، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال : بلغني أن اللّه لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال - كان لهم فيها منفعة ، ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم : اتخذ الرحمن ولدا ، فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر . وقال كعب الأحبار : غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه إنه يشرك به ويجعل له ولدا ، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم » « 2 » أخرجاه في الصحيحين . وفي لفظ « أنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم » . وقوله : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته ، لأنه لا كفء له من خلقه ، لأن جميع الخلائق عبيد له ، ولهذا قال : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ، ذكرهم وأنثاهم ، صغيرهم وكبيرهم ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً أي لا ناصر له ولا مجير إلا اللّه وحده لا شريك له ، فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ، ولا يظلم أحدا . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 96 إلى 98 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، وهي الأعمال التي ترضي اللّه عز وجل لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة ، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه ، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من غير وجه .
--> ( 1 ) المسند 4 / 405 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 3 ، والأدب باب 71 ، ومسلم في المنافقين حديث 49 ، 50 .