ابن كثير

234

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

التي لا أظعن ، فيدخل بيتا من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع ، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق : أحمر وأصفر وأخضر ، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها . وفي البيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون حشية ، على كل حشية سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه ، الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن . قال : صاف لا كدر فيه ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم ، وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار ، فإن شاء أكل قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا ، ثم تلا : وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [ الإنسان : 14 ] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض ، وربما قال أخضر ، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها ، أي الألوان شاء ، ثم يطير فتذهب فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف : 72 ] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا ، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي اللّه عنه بنحوه ، وهو أشبه بالصحة ، واللّه أعلم . وقوله : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً أي عطاشا لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ أي ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض ، كما قال تعالى مخبرا عنهم : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء : 101 ] . وقوله : إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا ، وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه والقيام بحقها . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً قال : العهد شهادة أن لا إله إلا اللّه ، ويبرأ إلى اللّه من الحول والقوة ، ولا يرجو إلا اللّه عز وجل « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عثمان بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي ، عن عون بن عبد اللّه عن أبي فاختة ، عن الأسود بن يزيد قال : قرأ عبد اللّه يعني ابن مسعود هذه الآية إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ثم قال : اتخذوا عند اللّه عهدا ، فإن اللّه يوم القيامة يقول : من كان له عند اللّه عهد فليقم ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن فعلمنا . قال : قولوا : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إليّ يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد . وقال المسعودي : فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن ، أخبرنا ابن مسعود وكان يحلق بهن خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 381 .