ابن كثير
209
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وعيبها ، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك ، وهو قوله : لَأَرْجُمَنَّكَ قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيرهم ، وقوله : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق : يعني دهرا . وقال الحسن البصري : زمانا طويلا . وقال السدي وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قال : أبدا . وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قال : سويا سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة ، وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي ومالك وغيرهم ، واختاره ابن جرير ، فعند ما قال إبراهيم لأبيه : سَلامٌ عَلَيْكَ كما قال تعالى في صفة المؤمنين : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [ القصص : 55 ] ومعنى قول إبراهيم لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ يعني أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ولكن سأسأل اللّه فيك أن يهديك ويغفر ذنبك إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا قال ابن عباس وغيره : لطيفا ، أي في أن هداني لعبادته والإخلاص له . وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا قال عوده الإجابة . وقال السدي : الحفي الذي يهتم بأمره ، وقد استغفر إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم لأبيه مدة طويلة وبعد أن هاجر إلى الشام ، وبنى المسجد الحرام ، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام في قوله : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم : 41 ] وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام ، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل اللّه تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ - إلى قوله - إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ الممتحنة : 4 ] الآية ، يعني إلا في هذا القول ، فلا تتأسوا به ، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه ، فقال تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - إلى قوله - وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 113 - 114 ] . وقوله : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي . أي وأعبد ربي وحده لا شريك له عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا وعسى هذه موجبة لا محالة ، فإنه عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 49 إلى 50 ] فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) يقول تعالى : فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في اللّه ، أبدله اللّه من هو خير منهم ، ووهب له إسحاق ويعقوب يعني ابنه وابن إسحاق ، كما قال في الآية الأخرى : وَيَعْقُوبَ نافِلَةً