ابن كثير

210

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ الأنبياء : 72 ] وقال وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [ هود : 71 ] ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب ، وهو نص القرآن في سورة البقرة : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ البقرة : 133 ] ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب ، أي جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء أقر اللّه بهم عينه في حياته ، ولهذا قال : وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا فلو لم يكن يعقوب عليه السلام قد نبىء في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف ، فإنه نبي أيضا . كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس ، فقال : « يوسف نبي اللّه ابن يعقوب نبي اللّه ابن إسحاق نبي اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه » « 1 » ، وفي اللفظ الآخر « إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » « 2 » . وقوله وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني الثناء الحسن ، وكذا قال السدي ومالك بن أنس ، وقال ابن جرير « 3 » : إنما قال عليا لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 ) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 ) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ( 53 ) لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه ، عطف بذكر الكليم ، فقال : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً قرأ بعضهم بكسر اللام من الإخلاص في العبادة . قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي لبابة قال : قال الحواريون : يا روح اللّه أخبرنا عن المخلص للّه ؟ قال : الذي يعمل للّه لا يحب أن يحمده الناس ، وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى ، كما قال تعالى : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [ الأعراف : 144 ] وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا جمع اللّه له بين الوصفين ، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة ، وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين . وقوله : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ أي الجبل الْأَيْمَنِ من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح ، فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه عند شاطئ الوادي ، فكلمه اللّه تعالى وناداه وقربه فناجاه . روى ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 8 ، 14 ، ومسلم في الفضائل حديث 152 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 19 ، والمناقب باب 13 ، وتفسير سورة 12 باب 1 . ( 3 ) تفسير الطبري 8 / 350 .