ابن كثير

203

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عن عبد العزيز بن زياد ، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمها وهو في بطن أمه ، فذلك قوله : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك . وقوله : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري : وجعلني معلما للخير . وفي رواية عن مجاهد : نفاعا . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي ، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم ، فقال له : يرحمك اللّه ما الذي أعلن من عملي ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه دين اللّه الذي بعث به أنبياءه إلى عباده ، وقد أجمع الفقهاء على قول اللّه : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل : ما بركته ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان . وقوله : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا كقوله تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا قال : أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت ، ما أبينها لأهل القدر . وقوله : وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي وأمرني ببر والدتي ، ذكره بعد طاعة اللّه ربه ، لأن اللّه تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين ، كما قال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] وقال أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] . وقوله : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا أي ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي ، فأشقى بذلك . قال سفيان الثوري : الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب . وقال بعض السلف : لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا ، ثم قرأ : وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا قال : ولا تجد سيئ الملكة « 2 » إلا وجدته مختالا فخورا ، ثم قرأ : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [ النساء : 36 ] . قال قتادة : ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه اللّه عليهن وأذن له فيهن ، فقالت : طوبى للبطن الذي حملك ، وطوبى للثدي الذي أرضعت به ، فقال نبي اللّه عيسى عليه السلام يجيبها : طوبى لمن تلا كتاب اللّه فاتبع ما فيه ، ولم يكن جبارا شقيا « 3 » . وقوله : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا إثبات منه لعبوديته للّه عز وجل ، وأنه مخلوق من خلق اللّه يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق ، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد ، صلوات اللّه وسلامه عليه .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 338 . ( 2 ) سيئ الملكة : هو الذي يسيء صحبة ومعاملة المماليك . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 8 / 339 ، 340 .