ابن كثير
204
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 34 إلى 37 ] ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) يقول تعالى لرسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه : ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى عليه السلام قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به ، ولهذا قرأ الأكثرون قول الحق برفع قول ، وقرأ عاصم وعبد اللّه بن عامر قول الحق ، وعن ابن مسعود أنه قرأ ذلك عيسى ابن مريم ، قال : الحق ، والرفع أظهر إعرابا ، ويشهد له قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران : 60 ] ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدا نبيا نزه نفسه المقدسة فقال : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ أي عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوا كبيرا إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي إذا أراد شيئا ، فإنما يأمر به فيصير كما يشاء ، كما قال : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران : 59 - 60 ] . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن اللّه ربه وربهم وأمرهم بعبادته ، فقال : فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي هذا الذي جئتكم به عن اللّه صراط مستقيم ، أي قويم من اتبعه رشد وهدى ، ومن خالفه ضل وغوى . وقوله : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي اختلف أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله ، وأنه عبده ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فصممت طائفة منهم ، وهم جمهور اليهود . - عليهم لعائن اللّه - على أنه ولد زنية ، وقالوا : كلامه هذا سحر . وقالت طائفة أخرى : إنما تكلم اللّه . وقال آخرون : بل هو ابن اللّه . وقال آخرون : ثالث ثلاثة . وقال آخرون : بل هو عبد اللّه ورسوله ، وهذا هو قول الحق الذي أرشد اللّه إليه المؤمنين ، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف . قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قال : اجتمع بنو إسرائيل ، فأخرجوا منهم أربعة نفر ، أخرج كل قوم عالمهم ، فامتروا في عيسى حين رفع ، فقال بعضهم : هو اللّه هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية ، فقال الثلاثة : كذبت . ثم قال اثنان منهم للثالث : قل أنت فيه قال : هو ابن اللّه وهم النسطورية ، فقال الاثنان : كذبت . ثم قال أحد الاثنين للآخر : قل فيه ، فقال : هو ثالث ثلاثة : اللّه إله ، وهو إله ، وأمه إله ، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن اللّه . قال الرابع : كذبت بل هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته وهم