ابن كثير
196
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد : قال : قالت مريم عليها السلام : كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني ، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر . وقوله : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم ، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم اللّه تعالى وقدرته ومشيئته ، ويحتمل أن يكون من خبر اللّه تعالى لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها ، كما قال تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] وقال : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] قال محمد بن إسحاق : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي إن اللّه قد عزم على هذا فليس منه بد ، واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره ، واللّه أعلم . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن اللّه تعالى ما قال ، أنها استسلمت لقضاء اللّه تعالى ، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها ، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن اللّه تعالى ، فلما حملت به ضاقت ذرعا ، ولم تدر ماذا تقول للناس ، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به ، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا ، وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل اللّه الولد فأجيب إلى ذلك ، فحملت امرأته ، فدخلت عليها مريم ، فقامت إليها فاعتنقتها وقالت : أشعرت يا مريم أني حبلى ؟ فقالت لها مريم : وهل علمت أيضا أني حبلى ، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها ، وكانوا بيت إيمان وتصديق ، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم ، أي يعظمه ويخضع له ، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا ، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته ، وكما أمر اللّه الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام ، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى . قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين قال : قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع ، قال أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال : قال مالك رحمه اللّه : بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة ، وكان حملهما جميعا معا ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام ، لأن اللّه جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام ، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر . وقال عكرمة : ثمانية أشهر ، قال : ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر . وقال ابن جريج :