ابن كثير

197

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد اللّه الثقفي ، سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت « 1 » ، وهذا غريب ، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى : فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ فالفاء وإن كانت للتعقيب ، لكن تعقيب كل شيء بحسبه ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً [ المؤمنون : 12 - 14 ] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها . وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما ، وقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] فالمشهور الظاهر ، واللّه على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن . ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها ، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار ، فلما رأى ثقل بطنها وكبره ، أنكر ذلك من أمرها ، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ، ثم تأمل ما هي فيه ، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه ، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال : يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي . قالت : وما هو ؟ قال : هل يكون قط شجر من غير حب ، وهل يكون زرع من غير بذر . وهل يكون ولد من غير أب ؟ فقالت : نعم ، وفهمت ما أشار إليه . أما قولك : هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر ، فإن اللّه قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر ، وهل يكون ولد من غير أب ؟ فإن اللّه تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم ، فصدقها وسلم لها حالها ، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة ، انتبذت منهم مكانا قصيا ، أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها . قال محمد بن إسحاق : فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت ، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون ، حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا ، وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا : إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره ، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابا ، فلا يراها أحد ولا تراه . وقوله : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه ، وقد اختلفوا فيه ، فقال السدي : كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس . وقال وهب بن منبه : ذهبت هاربة ، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق . وفي رواية عن وهب : كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم ، قلت : وقد تقدم في أحاديث الإسراء من

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 325 .