ابن كثير

9

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أخيك ، قال : يا رب ، فإني قد عفوت عنه ، قال اللّه تعالى : خذ بيد أخيك ، فادخلا الجنة » . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فاتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم ، فإن اللّه تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 2 إلى 4 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . قال : المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر اللّه عند أداء فرائضه . ولا يؤمنون بشيء من آيات اللّه ولا يتوكلون ولا يصلون إذا غابوا ولا يؤدون زكاة أموالهم ، فأخبر اللّه تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين ، ثم وصف اللّه المؤمنين فقال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فأدوا فرائضه وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً يقول زادتهم تصديقا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ يقول لا يرجون غيره « 1 » . وقال مجاهد وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فرقت أي فزعت وخافت ، وكذا قال السدي وغير واحد « 2 » ، وهذه صفة المؤمن حق المؤمن الذي إذا ذكر اللّه وجل قلبه أي خاف منه ، ففعل أوامره وترك زواجره ، كقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، [ آل عمران : 135 ] وكقوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 4 - 5 ] ولهذا قال سفيان الثوري : سمعت السدي يقول في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . قال : هو الرجل يريد أن يظلم أو قال يهم بمعصية فيقال له : اتق اللّه فيجل قلبه . وقال الثوري أيضا عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أمّ الدرداء في قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ قال : الوجل في القلب كاحتراق السعفة ، أما تجد له قشعريرة ؟ قال : بلى . قالت : إذا وجدت ذلك فادع اللّه عند ذلك ، فإن الدعاء يذهب ذلك « 3 » . وقوله وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، كقوله وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ التوبة : 9 ] .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 178 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 178 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 6 / 178 .