ابن كثير

10

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب ، كما هو مذهب جمهور الأمة ، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري ، وللّه الحمد والمنة . وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون الحوائج إلا منه ، ولا يرغبون إلا إليه ، ويعلمون أنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه المتصرف في الملك ، وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ، ولهذا قال سعيد بن جبير : التوكل على اللّه جماع الإيمان . وقوله الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها ، وهو إقامة الصلاة وهو حق اللّه تعالى . وقال قتادة : إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها ، وقال مقاتل بن حيان : إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا إقامتها ، والإنفاق مما رزقهم اللّه يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب . والخلق كلهم عيال اللّه فأحبهم إلى اللّه أنفعهم لخلقه . قال قتادة في قوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فأنفقوا مما أعطاكم اللّه فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها . وقوله أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن أبي الجهم ، عن الحارث بن مالك الأنصاري ، أنه مر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارث ؟ » قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : « انظر ما تقول ، فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : « يا حارث عرفت فالزم » ثلاثا . وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك فلان سيد حقا ، وفي القوم سادة . وفلان تاجر حقا ، وفي القوم تجار . وفلان شاعر حقا ، وفي القوم شعراء . وقوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما