ابن كثير
78
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا علي بن هاشم ، عن حميد ، عن أنس رضي اللّه عنه ، قال : استشار النبي صلى اللّه عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر ، فقال « إن اللّه قد أمكنكم منهم » فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول اللّه اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس إن اللّه قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس » فقام عمر فقال : يا رسول اللّه اضرب أعناقهم ، فأعرض عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم عاد النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : للناس مثل ذلك ، فقام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فقال : يا رسول اللّه نرى أن تعفو عنهم ، وأن تقبل منهم الفداء ، قال فذهب عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كان فيه من الغم ، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء ، قال وأنزل اللّه عز وجل لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك . وقال الأعمش : عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه قال : لما كان يوم بدر ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما تقولون في هؤلاء الأسارى ؟ » فقال أبو بكر : يا رسول اللّه قومك وأهلك ، استبقهم واستتبهم لعل اللّه أن يتوب عليهم ، وقال عمر « يا رسول اللّه كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم ، وقال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه أنت في واد كثير الحطب ، أضرم الوادي عليهم نارا ، ثم ألقهم فيه ، قال فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا ، ثم قام فدخل ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول عبد اللّه بن رواحة . ثم خرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن اللّه ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللّه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام ، قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 36 ] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام ، قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] وإن مثلك يا عمر ، كمثل موسى عليه السلام ، قال رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] وإن مثلك يا عمر ، كمثل نوح عليه السلام ، قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء ، أو ضربة عنق » قال ابن مسعود : قلت : يا رسول اللّه إلا سهيل ابن بيضاء ، فإنه يذكر الإسلام ، فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم ، حتى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إلا سهيل ابن بيضاء » فأنزل اللّه عز وجل ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى إلى آخر الآية « 2 » ،
--> ( 1 ) المسند 3 / 243 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 8 ، باب 6 ، وأحمد في المسند 1 / 383 ، 384 ، والطبري في تفسيره 6 / 287 .