ابن كثير

76

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بمصافحة يغفر لهما ؟ قال مجاهد : أما سمعته يقول : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ فقال الوليد لمجاهد : أنت أعلم مني ، وكذا روى طلحة بن مصرف عن مجاهد ، وقال ابن عون عن عمير بن إسحاق ، قال : كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة ، وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه اللّه : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا عبيد اللّه بن عمر القواريري ، حدثنا سالم بن غيلان ، سمعت جعدا أبا عثمان ، حدثني أبو عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده ، تحاتت عنهما ذنوبهما ، كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 64 إلى 66 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 ) يحرض تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران ، ويخبرهم أنه حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم ، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم ، ولو قل عدد المؤمنين . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، حدثنا عبيد اللّه بن موسى ، أنبأنا سفيان عن ابن شوذب عن الشعبي في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال حسبك اللّه ، وحسب من شهد معك ، قال : وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله . ولهذا قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي حثهم أو مرهم عليه ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحرض على القتال ، عند صفهم ومواجهة العدو ، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم : « قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض » فقال عمير بن الحمام : عرضها السماوات والأرض ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « نعم » ، فقال : بخ بخ فقال : « ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ » قال : رجاء أن أكون من أهلها ، قال « فإنك من أهلها » فتقدم الرجل ، فكسر جفن سيفه ، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ، ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه « 1 » ، وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب وكمل به الأربعون ، وفي هذا نظر ، لأن هذه الآية مدنية ، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة ، وقبل الهجرة إلى المدينة ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 146 ، وأحمد في المسند 3 / 136 .