ابن كثير
186
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول اللّه إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه ، فقال : « إني على جناح سفر وحال شغل » أو كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ولو قد قدمنا إن شاء اللّه تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه » . فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال : « انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه » فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم . فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي ، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ، ونزل فيهم من القرآن ما نزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً إلى آخر القصة . وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق ، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد ، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف ، وحارثة بن عامر وابناه مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة ومخرج ، وهم من بني ضبيعة ، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت ، وموالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر . وقوله وَلَيَحْلِفُنَّ أي الذين بنوه إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي ما أردنا ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس ، قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي فيما قصدوا وفيما نووا ، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء وكفرا باللّه وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب اللّه ورسوله من قبل ، وهو أبو عامر الفاسق الذي يقال له الراهب لعنه اللّه . وقوله لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً نهي له صلى اللّه عليه وسلم والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه أي يصلي فيه أبدا . ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى ، وهي طاعة اللّه وطاعة رسوله وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله ، ولهذا قال تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « صلاة في مسجد قباء كعمرة » « 1 » ، وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا « 2 » ، وفي
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الصلاة باب 30 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 515 ، وأحمد في المسند 2 / 5 .