ابن كثير

185

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد ، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم اللّه عز وجل ، وكانت العاقبة للمتقين . وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلوات اللّه وسلامه عليه ، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم اللّه بك عينا يا فاسق يا عدو اللّه ، ونالوا منه وسبوه فرجع وهو يقول : واللّه لقد أصاب قومي بعدي شر ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد دعاه إلى اللّه قبل فراره وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة ، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى اللّه عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك . فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه اللّه من الصلاة فيه فقال : « إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء اللّه » فلما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى . فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة ، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية ، هم أناس من الأنصار بنوا مسجدا . فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدا وأصحابه ، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا له : قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة ، فأنزل اللّه عز وجل لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً إلى قوله : الظَّالِمِينَ وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة وغير واحد من العلماء . وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم ، قالوا : أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو