ابن كثير
184
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أحمد « 1 » : حدثنا يزيد ، حدثنا حميد عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له ، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا ، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملا صالحا ، وإذا أراد اللّه بعبده خيرا استعمله قبل موته » قالوا : يا رسول اللّه وكيف يستعمله ؟ قال : « يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه » تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد : هم الثلاثة الذين خلفوا أي عن التوبة ، وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية ، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكا ونفاقا ، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون ، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة ، حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [ التوبة : 117 ] الآية ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ [ التوبة : 118 ] الآية ، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك ، وقوله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي هم تحت عفو اللّه إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك ، ولكن رحمته تغلب غضبه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو ، حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 107 إلى 108 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) سبب نزول هذه الآيات الكريمات ، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير ، فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم اللّه يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش ، يمالئهم
--> ( 1 ) المسند 3 / 120 .