ابن كثير
94
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات ، وقد قال بعدها وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ قال سفيان الثوري ، عن طلحة عن عطاء ، عن ابن عباس : أي القربة ، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد اللّه بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد . وقال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه ، وقرأ ابن زيد أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [ الإسراء : 57 ] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه . وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر : [ الطويل ] إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل « 1 » والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش ، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة » « 2 » . حديث آخر - في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلّى علي صلاة صلّى اللّه عليه عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة » « 3 » . حديث آخر - قال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان عن ليث ، عن كعب ، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة » . قيل : يا رسول اللّه ، وما الوسيلة ؟ قال « أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد ، وأرجو أن أكون أنا هو » . ورواه الترمذي عن بندار ، عن أبي عاصم ، عن سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن كعب قال : حدثني أبو هريرة ، ثم قال : غريب ، وكعب ليس بمعروف ، لا نعرف أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم .
--> ( 1 ) البيت بلا نسبة أيضا في تفسير الطبري 4 / 567 وتفسير القرطبي 6 / 159 . ( 2 ) صحيح البخاري ( أذان باب 8 ) ( 3 ) صحيح مسلم ( صلاة حديث 11 ) ( 4 ) مسند أحمد 2 / 265 .