ابن كثير
42
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بوضوء ؟ فقال « إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة » وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع ، والنسائي عن زياد بن أيوب عن إسماعيل وهو ابن علية به . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث ، عن ابن عباس قال : كنا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بطعام ، فقيل : يا رسول اللّه ألا تتوضأ ؟ فقال « لم ؟ أأصلي فأتوضأ » . وقوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ على وجوب النية في الوضوء ، لأن تقدير الكلام إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لها كما تقول العرب : إذا رأيت الأمير فقم ، أي له . وقد ثبت في الصحيحين حديث « الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » « 1 » ، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم اللّه تعالى على وضوئه ، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه » « 2 » ، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم ، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده » « 3 » . وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس ، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم « 4 » إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا وفي النزعتين والتحذيف « 5 » خلاف : هل هما من الرأس أو الوجه ؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان [ أحدهما ] أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة . وروي في حديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلا مغطيا لحيته فقال « اكشفها فإن اللحية من الوجه » وقال مجاهد : هي من الوجه ، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته : طلع وجهه ، ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا إسرائيل عن عامر بن حمزة ، عن شقيق قال : رأيت عثمان يتوضأ ، فذكر الحديث ، قال : وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه ، ثم قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعل الذي
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( بدء الوحي باب 1 وإيمان باب 41 ) وصحيح مسلم ( إمارة حديث 155 ) ( 2 ) سنن أبي داود ( طهارة باب 48 ) ومسند أحمد 2 / 418 ، جميعا عن أبي هريرة . ( 3 ) صحيح البخاري ( وضوء باب 26 ) وموطأ مالك ( طهارة حديث 9 ) ومسند أحمد 2 / 465 . ( 4 ) الغمم : أن يسيل الشعر من الرأس في الوجه والقفا ، فتضيق الجبهة ويصغر القفا . والأنزع : الذي انحر الشعر على جانبي ناصيتيه . ( 5 ) التحذيف من الرأس : ما تنحّي النساء الشعر عنه ، ويقع في جانب الوجه .