ابن كثير
43
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رأيتموني فعلت ، رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وحسنه البخاري . وقال أبو داود « 1 » : حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا أبو المليح ، حدثنا الوليد بن زوران ، عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا توضأ ، أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته ، وقال « هكذا أمرني به ربي عز وجل » تفرد به أبو داود . وقد روي هذا من غير وجه عن أنس ، قال البيهقي : وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم عن علي وغيره ، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي ، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين . وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق ، فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه اللّه ، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك ، لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن ، وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال للمسيء صلاته « توضأ كما أمرك اللّه » ، أو يجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة ، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد ، لما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من توضأ فليستنشق » ، وفي رواية « إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر » « 2 » والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه ، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر ، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا ، يعني أضافها إلى يده الأخرى ، فغسل بها وجهه ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى ، ثم مسح رأسه ، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى ، ثم قال : هكذا رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعني يتوضأ . ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به . وقوله وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ أي مع المرافق كما قال تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [ النساء : 2 ] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من
--> ( 1 ) سنن أبي داود ( طهارة باب 57 ) ( 2 ) صحيح البخاري ( وضوء باب 26 ) أما الحديث الذي قبل هذا فقد وجدناه في صحيح البخاري ( صوم باب 28 ) وصحيح مسلم ( طهارة حديث 21 ) بلفظ : « إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء » . ( 3 ) مسند أحمد 1 / 268 .