ابن كثير
364
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال ابن جرير « 1 » : حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « تبعث كل نفس على ما كانت عليه » وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه ، عن الأعمش به ، ولفظه « يبعث كل عبد على ما مات عليه » « 2 » وعن ابن عباس مثله ، قلت : ويتأيد بحديث ابن مسعود ، قلت : ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية ، وبين قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 3 » . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول اللّه تعالى « إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » « 4 » الحديث ، ووجه الجمع على هذا ، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال ، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره ، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ . وفي الحديث « كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها » « 5 » وقدر اللّه نافذ في بريته ، فإنه هو الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] و الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] وفي الصحيحين « فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة » « 6 » ولهذا قال تعالى : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ثم علل ذلك فقال إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية . قال ابن جرير « 7 » : وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن اللّه لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها ، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه فيها ، لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد ، وفريق الهدى فرق ، وقد فرق اللّه تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 466 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 83 ، وابن ماجة في الزهد باب 26 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 80 ، وتفسير سورة 30 ، باب 1 ، ومسلم في القدر حديث 22 ، 23 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 393 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 63 . ( 5 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 1 . ( 6 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 82 ، ومسلم في القدر حديث 6 . ( 7 ) تفسير الطبري 5 / 469 .