ابن كثير
318
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال سعيد بن منصور : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه ، قال : كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية ، فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال « خبيثة من الخبائث » فقال ابن عمر : إن كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قاله فهو كما قال ، ورواه أبو داود « 1 » عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به . وقوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم اللّه في هذه الآية الكريمة ، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي غفور له رحيم به . وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية ، والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم ، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك ، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه اللّه إليه أن ذلك محرم ، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو عفو مسكوت عنه ، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه اللّه ؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا ، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 146 ] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) قال ابن جرير « 2 » ، يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع ، كالإبل والنعام والإوز والبط . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وهو البعير والنعامة ، وكذا قال مجاهد والسدي في رواية ، وقال سعيد بن جبير : هو الذي ليس منفرج الأصابع ، وفي رواية عنه كل شيء متفرق الأصابع ومنه الديك ، وقال قتادة في قوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وكان يقال للبعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان وفي رواية البعير والنعامة ، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع ، وقال ابن جريج عن مجاهد : كل ذي ظفر ، قال : النعامة والبعير شقاشقا ، قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاشقا ؟ قال : كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم ، قال وما انفرج أكلته ؟ قال
--> ( 1 ) سنن أبي داود ( أطعمة باب 29 ) ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 381 .