ابن كثير

236

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

شاء أنظركم وأجلكم ، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة ، ولهذا قال يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أي وهو خير من فصل القضايا ، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده . وقوله قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي لو كان مرجع ذلك إلي ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك ، واللّه أعلم بالظالمين . فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين ، من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب « 1 » ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام ، فناداني فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال ، لتأمره بما شئت فيهم ، قال : فناداني ملك الجبال وسلّم علي ، ثم قال : يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربك إليك ، لتأمرني بأمرك فيما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين « 2 » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم ، من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا » وهذا لفظ مسلم « 3 » ، فقد عرض عليهم عذابهم واستئصالهم ، فاستأنى بهم ، وسأل لهم التأخير ، لعل اللّه أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا ، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فالجواب واللّه أعلم ، أن هذه الآية دلت ، على أنه لو كان إليه وقوع العذاب ، الذي يطلبونه حال طلبهم له ، لأوقعه بهم ، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين ، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا ، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم . وقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ قال البخاري « 4 » : حدثنا عبد العزيز بن عبد اللّه ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللّه ، عن أبيه ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه » إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي

--> ( 1 ) موضع يقال له أيضا قرن المنازل ، بينه وبين مكة يوم وليلة . وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير . ( 2 ) الأخشبان هما جبلا مكة : أبو قبيس والجبل الذي يقابله . ( 3 ) صحيح مسلم ( جهاد حديث 111 ) وصحيح البخاري ( بدء الخلق باب 7 ) ( 4 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة الأنعام باب 2 )