ابن كثير

214

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) يقول اللّه تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السماوات والأرض قرارا لعباده . وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم ، فجمع لفظ الظلمات ، ووحد لفظ النور ، لكونه أشرف ، كقوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [ النحل : 48 ] وكما قال في آخر هذه السورة وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] ثم قال تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده ، وجعلوا له شريكا وعدلا ، واتخذوا له صاحبة وولدا ، تعالى اللّه عز وجل عن ذلك علوا كبيرا . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني أباهم آدم ، الذي هو أصلهم ، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب ! وقوله ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني الموت وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني الآخرة ، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ، والحسن وقتادة والضحاك ، وزيد بن أسلم وعطية والسدي ، ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقول الحسن في رواية عنه ثُمَّ قَضى أَجَلًا وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث ، هو يرجع إلى ما تقدم ، وهو تقدير الأجل الخاص ، وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام ، وهو عمر الدنيا بكمالها ، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها ، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة ، وعن ابن عباس ومجاهد : ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني مدة الدنيا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني عمر الإنسان إلى حين موته ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] الآية ، وقال عطية : عن ابن عباس ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني النوم ، يقبض فيه الروح ، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني أجل موت الإنسان ، وهذا قول غريب ، ومعنى قوله عِنْدَهُ أي لا يعلمه إلا هو ، كقوله إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [ الأعراف : 187 ] وكقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها [ النازعات : 42 - 44 ] . وقوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .