ابن كثير
215
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال ، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين ، تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، بأنه في كل مكان ، حيث حملوا الآية على ذلك ، فالأصح من الأقوال : إنه المدعو اللّه في السماوات وفي الأرض ، أي يعبده ويوحده ويقرّ له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض ، ويسمونه اللّه ويدعونه رغبا ورهبا ، إلا من كفر من الجن والإنس ، وهذه الآية على هذا القول ، كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] أي هو إله من في السماء ، وإله من في الأرض ، وعلى هذا فيكون قوله يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبرا أو حالا [ والقول الثاني ] أن المراد أنه اللّه الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، من سر وجهر ، فيكون قوله يعلم ، متعلقا بقوله فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ تقديره ، وهو اللّه يعلم سركم وجهركم ، في السماوات وفي الأرض ، ويعلم ما تكسبون ، [ والقول الثالث ] أن قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وقف تام ، ثم استأنف الخبر ، فقال وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وهذا اختيار ابن جرير ، وقوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ أي جميع أعمالكم خيرها وشرها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين ، أنهم مهما أتتهم من آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات ، على وحدانية اللّه وصدق رسله الكرام ، فإنهم يعرضون عنها ، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها ، قال اللّه تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهذا تهديد لهم ، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق ، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب ، وليجدن غبه وليذوقن وباله . ثم قال تعالى واعظا لهم ومحذرا لهم ، أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم ، من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة ، وأكثر جمعا وأكثر أموالا وأولادا واستغلالا للأرض ، وعمارة لها ، فقال أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ أي من الأموال والأولاد والأعمار ، والجاه العريض والسعة والجنود ، ولهذا قال وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً أي شيئا بعد شيء وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض ، أي استدراجا وإملاء لهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي بخطاياهم ، وسيئاتهم التي اجترحوها وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً