ابن كثير

210

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم » ورواه البخاري « 1 » عند هذه الآية عن أبي الوليد ، عن شعبة ، وعن محمد بن كثير ، عن سفيان الثوري ، كلاهما عن المغيرة بن النعمان به . وقوله إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى اللّه عز وجل ، فإنه الفعال لما يشاء ، الذي لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على اللّه وعلى رسوله ، وجعلوا للّه ندا وصاحبة وولدا ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا ، وهذه الآية لها شأن عظيم ، ونبأ عجيب ، وقد ورد في الحديث : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثني فليت العامري ، عن جسرة العامرية ، عن أبي ذر رضي اللّه عنه ، قال : صلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة ، فقرأ بآية حتى أصبح ، يركع بها ويسجد بها إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلما أصبح ، قلت : يا رسول اللّه ما زلت تقرأ هذه الآية ، حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ؟ قال « إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلة إن شاء اللّه لمن لا يشرك باللّه شيئا » . [ طريق أخرى وسياق آخر ] - قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا قدامة بن عبد اللّه ، حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة ، فانتهت إلى الربذة ، فسمعت أبا ذر يقول : قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة من الليالي في صلاة العشاء ، فصلى بالقوم ، ثم تخلف أصحاب له يصلون ، فلما رأى قيامهم وتخلفهم ، انصرف إلى رحله ، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان ، رجع إلى مكانه يصلي ، فجئت فقمت خلفه ، فأومأ إليّ بيمينه ، فقمت عن يمينه ، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه ، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله ، فقمنا ثلاثتنا . يصلي كل واحد منا بنفسه ، ونتلو من القرآن ما شاء اللّه أن نتلو ، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلّى الغداة ، فلما أصبحنا أومأت إلى عبد اللّه بن مسعود ، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة ، فقال ابن مسعود بيده « 3 » : لا أسأله عن شيء ، حتى يحدث إليّ ، فقلت : بأبي وأمي ، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن ، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه ، قال « دعوت لأمتي » ، قلت : فماذا أجبت أو ماذا رد عليك ؟ قال « أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة » قلت : أفلا أبشر الناس ؟ قال « بلى » فانطلقت معنقا ، قريبا من قذفة بحجر ، فقال عمر : يا رسول اللّه إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات ، فناداه أن « ارجع » فرجع ، وتلك الآية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة المائدة باب 13 ) ( 2 ) مسند أحمد 5 / 149 . ( 3 ) قال بيده : أشار .