ابن كثير
134
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
القبض يرفع ويخفض . وقال : يقول اللّه تعالى : « أنفق ، أنفق عليك » أخرجاه في الصحيحين ، البخاري في التوحيد عن علي بن المديني ، ومسلم فيه عن محمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق به . وقوله تعالى : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً أي يكون ما آتاك اللّه يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم ، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا ، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا ، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ، وكفرا أي تكذيبا ، كما قال تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] وقال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] ، وقوله تعالى : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما ، لأنهم لا يجتمعون على حق ، وقد خالفوك وكذبوك ، وقال إبراهيم النخعي : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ، قال : الخصومات والجدال في الدين ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها ، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها ، أبطلها اللّه ورد كيدهم عليهم ، وحاق مكرهم السيئ بهم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض ، واللّه لا يحب من هذه صفته ، ثم قال جلا وعلا : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي لو أنهم آمنوا باللّه ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ قال ابن عباس وغيره : هو القرآن ، لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير ، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة . وقوله تعالى : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني يخرج من الأرض بركاتها ، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ، كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] وقال تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [ الروم : 41 ] ، وقال بعضهم معناه لَأَكَلُوا