ابن كثير

135

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء . وقال ابن جرير : قال بعضهم : معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل : هو في الخير من قرنه إلى قدمه ، ثم رد هذا القول لمخالفته أقوال السلف « 1 » . وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ حديث علقمة عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « يوشك أن يرفع العلم » فقال زياد بن لبيد : يا رسول اللّه ، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا ؟ فقال « ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة ، أو ليست التوراة . والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى ، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر اللّه » ثم قرأ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقا من أول إسناده مرسلا في آخره . وقد رواه الإمام أحمد « 2 » بن حنبل متصلا موصولا ، فقال : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ، عن زياد بن لبيد أنه قال ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم شيئا ، فقال « وذاك عند ذهاب العلم » قال : قلنا : يا رسول اللّه ، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ، ونقرئه أبناءنا ، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ فقال « ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء » هكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع بإسناده نحوه ، وهذا إسناد صحيح . وقوله تعالى : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ كقوله وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] وكقوله من أتباع عيسى فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [ الحديد : 27 ] ، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين ، كما في قوله عز وجل : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ فاطر : 32 ، 33 ] ، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة ، وقد قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد اللّه بن جعفر ، حدثنا أحمد بن يونس الضبي ، حدثنا عاصم بن عدي حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال « تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة : سبعون منها في النار ، وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة : واحدة في الجنة ، وإحدى وسبعون منها في النار ، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا واحدة في الجنة ،

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 645 . ( 2 ) مسند أحمد 4 / 160 .