ابن كثير
92
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه . وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 118 إلى 120 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) يقول تبارك وتعالى ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة ، أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم ، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم ، لا يألون المؤمنين خبالا ، أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن ، وبما يستطيعون من المكر والخديعة ، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم ، وقوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ أي من غيركم من أهل الأديان ، وبطانة الرجل هم خاصة أهل الذين يطلعون على داخلة أمره . وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما ، من حديث جماعة منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ما بعث اللّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم اللّه » « 1 » ، وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه ، فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضا ، وعلقه البخاري في صحيحه فقال : وقال عبيد اللّه بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي أيوب الأنصاري فذكره فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة ، واللّه أعلم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان ، حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي ، عن أبي الزنباع ، عن ابن أبي الدهقانة ، قال : قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة حافظ كاتب ، فلو اتخذته كاتبا ، فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين . ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( أحكام باب 42 وقدر باب 8 ) وسنن الترمذي ( زهد باب 39 ) وسنن النسائي ( بيعة باب 32 )