ابن كثير
93
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب ، ولهذا قال تعالى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ . وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسحاق بن إسرائيل ، حدثنا هشيم ، حدثنا العوام عن الأزهر بن راشد ، قال : كانوا يأتون أنسا فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو ، أتوا الحسن يعني البصري ، فيفسره لهم ، قال : فحدث ذات يوم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لا تستضيئوا بنار المشركين ، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » فلم يدروا ما هو ، فأتوا الحسن فقالوا له : إن أنسا حدثنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا تستضيئوا بنار المشركين ، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » فقال الحسن : أما قوله « لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأما قوله : « لا تستضيئوا بنار المشركين » يقول : لا تستشيروا المشركين في أموركم . ثم قال الحسن : تصديق ذلك في كتاب اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه اللّه تعالى ، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى ، عن هشيم ، ورواه الإمام أحمد عن هشيم بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري . وهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر « لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا » أي بخط عربي ، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه كان نقشه « محمد رسول اللّه » ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه . وأما الاستضاءة بنار المشركين ، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكون معهم في بلادهم ، بل تباعدوا منهم ، وهاجروا من بلادهم ، ولهذا روى أبو داود « لا تتراءى نارهما » وفي الحديث الآخر « من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله » فحمل الحديث على ما قاله الحسن رحمه اللّه ، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر ، واللّه أعلم . ثم قال تعالى : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي قد لاح على صفحات وجوههم ، وفلتات ألسنتهم من العداوة ، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ، ولهذا قال تعالى : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . وقوله تعالى : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرونه لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك ، وهم لا يحبونكم لا باطنا ولا ظاهرا ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب ، وهم عندهم الشك والريب والحيرة . وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك ، وهم يكفرون بكتابكم ، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم ، رواه ابن