ابن كثير

131

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ولهذا قال تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه ، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير ، فقالوا : يا رسول اللّه ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد « 1 » لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون : ولكن نقول اذهب ، فنحن معك ، وبين يديك ، وعن يمينك ، وعن شمالك مقاتلون . وشاورهم أيضا أين يكون المنزل ، حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت « 2 » ، بالتقدم إلى أمام القوم . وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فترك ذلك ، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين . فقال له الصديق : إنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في قصة الإفك « أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا « 3 » أهلي ورموهم ، وأيم اللّه ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن ؟ واللّه ما علمت عليه إلا خيرا » واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي اللّه عنها . فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يشاورهم في الحروب ونحوها وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟ على قولين . وقد قال الحاكم في مستدركه : أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قال : أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت في أبي بكر وعمر ، وكانا حواريّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووزيريه ، وأبوي المسلمين ، وقد روى الإمام أحمد « 4 » : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال لأبي بكر وعمر « لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما » وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن العزم ؟ فقال « مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم » وقد قال ابن ماجة « 5 » : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا

--> ( 1 ) برك الغماد : موضع باليمن . ( 2 ) المعنق ليموت : لقب أطلقه عليه رسول اللّه لما بلغه مقتله فقال : « أعنق ليموت » أي أنه تطلع إلى منيته وأسرع إليها - انظر سيرة ابن هشام 2 / 183 حديث بئر معونة . ( 3 ) أي اتهموهم . ( 4 ) مسند أحمد 4 / 227 . ( 5 ) سنن ابن ماجة ( أدب باب 37 )