ابن كثير

519

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الكرسي . وقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه ، وتحت قهره وسلطانه ، كقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 93 - 95 ] . وقوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كقوله وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم : 26 ] وكقوله وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل ، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة ، كما في حديث الشفاعة : « آتي تحت العرش فأخر ساجدا ، فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني . ثم يقال : ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة » . وقوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، كقوله إخبارا عن الملائكة وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا ، وَما بَيْنَ ذلِكَ ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] . وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي لا يطلع أحد من علم اللّه على شيء إلا بما أعلمه اللّه عز وجل وأطلعه عليه . ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته ، إلا بما أطلعهم اللّه عليه ، كقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] . وقوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال : علمه ، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد اللّه بن إدريس وهشيم ، كلاهما عن مطرف بن طريف به ، قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير مثله ، ثم قال ابن جرير : وقال آخرون الكرسي موضع القدمين ، ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين . وقال شجاع بن مخلد في تفسيره : أخبرنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن عمار الذهبي ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول اللّه عز وجل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ قال « كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا اللّه عز وجل » كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس ، فذكره وهو غلط ، وقد رواه وكيع في تفسيره ، حدثنا سفيان عن عمار الذهبي ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر أحد قدره . وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، عن