ابن كثير
369
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
القرظي وسعيد هو المقبري عن أبي هريرة قال : لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى ولكن قولوا شهر رمضان - قال ابن أبي حاتم وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك ، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت . ( قلت ) أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير ، ولكن فيه ضعف ، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا عن أبي هريرة ، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي ، وهو جدير بالإنكار ، فإنه متروك ، وقد وهم في رفع هذا الحديث ، وقد انتصر البخاري رحمه اللّه في كتابه لهذا فقال : باب يقال رمضان وساق أحاديث في ذلك منها « من صام رمضان إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه » ونحو ذلك . وقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر ، أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان ، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة ، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه ، ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء ، فقال وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ معناه : ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه ، أو كان على سفر ، أي في حالة السفر ، فله أن يفطر ، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام ، ولهذا قال يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ اي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرا عليكم ورحمة بكم . وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية [ إحداها ] أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه ، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر ، وهذا القول غريب ، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وفيما حكاه عنهم نظر ، واللّه أعلم ، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح ، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر ، وأمر الناس بالفطر ، أخرجه صاحبا الصحيح . [ الثانية ] ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم ، لأنهم كانوا يخرجون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شهر رمضان ، قال : فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام ، بل الذي ثبت من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء ، قال : خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة ، وما فينا صائم إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعبد اللّه بن رواحة .