ابن كثير

370

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ الثالثة ] قالت طائفة منهم الشافعي : الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقدم ، وقالت طائفة . بل الإفطار أفضل أخذا بالرخصة ولما ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن الصوم في السفر ، فقال : « من أفطر فحسن ، ومن صام فلا جناح عليه » وقال في حديث آخر « عليكم برخصة اللّه التي رخص لكم » وقالت طائفة : هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول اللّه ، إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال « إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر » وهو في الصحيحين ، وقيل : إن شق الصيام فالإفطار أفضل ، لحديث جابر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلا قد ظلل عليه فقال : « ما هذا » ؟ قالوا : صائم ، فقال « ليس من البر الصيام في السفر » أخرجاه ، فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه ، فهذا يتعين عليه الإفطار ، ويحرم عليه الصيام ، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما : من لم يقبل رخصة اللّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة . [ الرابعة ] القضاء هل يجب متتابعا أو يجوز فيه التفريق فيه قولان : [ أحدهما ] أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكى الأداء . [ والثاني ] لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع ، وهذا قول جمهور السلف والخلف ، وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر ، فأما بعد انقضاء رمضان ، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر ، ولهذا قال تعالى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثم قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا ابن هلال عن حميد بن هلال العدوي ، عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره » . وقال أحمد « 2 » أيضا : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عاصم بن هلال ، حدثنا غاضرة بن عروة الفقيمي ، حدثني أبي عروة ، قال : كنا ننتظر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج رجلا « 3 » يقطر رأسه من وضوء أو غسل ، فصلى ، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن دين اللّه في يسر » - ثلاثا يقولها - ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم عن عاصم بن هلال به . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يسروا ولا تعسروا وسكنوا وتنفروا » أخرجاه في الصحيحين .

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 479 ) ( 2 ) المسند ( ج 5 ص 69 ) ( 3 ) أي كان شعره رجلا . وترجيل الشعر : إرساله بالمشط . ويأتي بمعنى تجعيده . ( 4 ) المسند ( ج 3 ص 131 )