ابن كثير
355
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
( والكتاب ) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء ، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير ، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله ، وآمن بأنبياء اللّه كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وقوله وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي أخرجه وهو محب له راغب فيه ، نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف ، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا : « أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى وتخشى الفقر » « 1 » . وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور ، عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل العيش وتخشى الفقر » ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ( قلت ) وقد رواه وكيع عن الأعمش ، وسفيان عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود موقوفا ، وهو أصح ، واللّه أعلم . وقال تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان : 8 - 9 ] وقال تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] وقوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] نمط آخر أرفع من هذا ، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له . وقوله : ذَوِي الْقُرْبى وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث « الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة ، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك » وقد أمر اللّه تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز . وَالْيَتامى هم الذين لا كاسب لهم ، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب ، وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن جويبر ، عن الضحاك عن النزال بن سبرة ، عن علي ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يتم بعد حلم » . وَالْمَساكِينَ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم ، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( نفقات باب 2 ) ومسلم ( زكاة حديث 95 ) ( 2 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 2 باب 48 ؛ وزكاة باب 53 ) وأبو داود ( زكاة باب 24 ) والنسائي ( زكاة باب 76 ) والدارمي ( زكاة باب 2 ) ومالك في الموطأ ( صفة النبي حديث 24 )