ابن كثير

356

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده ، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه ، ويدخل في ذلك الضيف ، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين ، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان . وَالسَّائِلِينَ وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات ، كما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد ، عن يعلى بن أبي يحيى ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها - قال عبد الرحمن حسين بن علي - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « للسائل حق وإن جاء على فرس » رواه أبو داود . وَفِي الرِّقابِ وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم ، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة إن شاء اللّه تعالى ، وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا شريك عن أبي حمزة عن الشعبي ، حدثتني فاطمة بنت قيس ، أنها سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أفي المال حق سوى الزكاة ؟ قالت : فتلا علي وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « في المال حق سوى الزكاة » ثم قرأ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ - إلى قوله - وَفِي الرِّقابِ وأخرجه ابن ماجة والترمذي ، وضعف أبا حمزة ميمونا الأعور ، وقد رواه سيار وإسماعيل بن سالم عن الشعبي . وقوله وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي ، وقوله : وَآتَى الزَّكاةَ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة كقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 9 - 10 ] وقول موسى لفرعون هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [ النازعات : 18 ] وقوله تعالى : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ فصلت : 7 ] ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال ، كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان ، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين ، إنما هو التطوع والبر والصلة ، ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس أن في المال حقا سوى الزكاة ، واللّه أعلم . وقوله : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ، كقوله : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ

--> ( 1 ) المسند ( ج 1 ص 201 )