ابن كثير

341

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ورواه البخاري من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحو ما تقدم . ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة ، قال : كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . وذكر القرطبي « 1 » في تفسيره عن ابن عباس قال : كانت الشياطين تفرق « 2 » بين الصفا والمروة الليل كله وكانت بينهما آلهة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الطواف بينهما ، فنزلت هذه الآية . وقال الشعبي : كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة ، وكانوا يستلمونها فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية ( قلت ) ذكر محمد بن إسحاق « 3 » في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين ، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس ، فلما طال عهدهما عبدا ، ثم حولا إلى الصفا والمروة ، فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما ، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة : [ الطويل ] وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * لمفضى « 4 » السيول من إساف ونائل وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل ، وفيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ثم قال : « أبدأ بما بدأ اللّه به » وفي رواية النسائي « ابدءوا بما بدأ اللّه به » . وقال الإمام أحمد « 5 » : حدثنا شريح حدثنا عبد اللّه بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى ، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول : « اسعوا فإن اللّه كتب عليكم السعي » . ثم رواه الإمام أحمد « 6 » عن عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة ، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين الصفا والمروة يقول : « كتب عليكم السعي فاسعوا » . وقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج ،

--> ( 1 ) تفسير القرطبي 2 / 179 . ( 2 ) في القرطبي : « تعزف » . ( 3 ) سيرة ابن هشام 1 / 83 . ( 4 ) في السيرة : « بمفضى » . ( 5 ) مسند أحمد ( ج 6 ص 421 ) ( 6 ) مسند أحمد ( ج 6 ص 437 )