ابن كثير
342
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه ، ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك . وقيل أنه واجب وليس بركن ، فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم ، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة ، وقيل بل مستحب ، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس ، وحكي عن مالك في العتبية قال القرطبي : واحتجوا بقوله تعالى : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً والقول الأول أرجح لأنه عليه السلام طاف بينهما ، وقال : « لتأخذوا عني مناسككم » فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج ، إلا ما خرج بدليل ، واللّه أعلم . وقد تقدم قوله عليه السلام « اسعوا فإن اللّه كتب عليكم السعي » فقد بين اللّه تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر اللّه ، أي مما شرع اللّه تعالى لإبراهيم في مناسك الحج ، وقد تقدم في حديث ابن عباس ، أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك ، وليس عندهما أحد من الناس ، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك ، ونفذ ما عندهما ، قامت تطلب الغوث من اللّه عز وجل ، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة ، متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى اللّه عز وجل ، حتى كشف اللّه كربتها ، وآنس غربتها ، وفرج شدتها ، وأنبع لها زمزم التي ماؤها « طعام طعم ، وشفاء سقم » فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى اللّه ، في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه ، وأن يلتجئ إلى اللّه عز وجل ، لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب ، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم ، وأن يثبته عليه إلى مماته وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي ، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر عليها السلام . وقوله وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قيل زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك ، وقيل يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع ، وقيل : المراد تطوع خيرا في سائر العبادات ، حكى ذلك الرازي ، وعزي الثالث إلى الحسن البصري ، واللّه أعلم ، وقوله فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ أي يثيب على القليل بالكثير ، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه ، و لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 159 إلى 162 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة ، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه اللّه تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله .