ابن كثير
319
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
« ويعقوب » بالنصب « 1 » عطفا على بنيه ، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك ، وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي « 2 » عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم ، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح ، والظاهر ، واللّه أعلم ، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة ، لأن البشارة وقعت بهما في قوله فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [ هود : 71 ] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض ، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة ، وأيضا فقد قال اللّه تعالى في سورة العنكبوت : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] ، وقال في الآية الأخرى وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [ الأنبياء : 72 ] وهذا يقضي أنه وجد في حياته ، وأيضا فإنه باني بيت المقدس ، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة . وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت : يا رسول اللّه ، أي مسجد وضع أول ؟ قال : « المسجد الحرام » قلت : ثم أي ؟ قال « بيت المقدس » ، قلت : كم بينهما ؟ قال « أربعون سنة » الحديث « 3 » ، فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة ، وهذا مما أنكر على ابن حبان ، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين ، واللّه أعلم ، وأيضا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبا ، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين . وقوله يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي أحسنوا في حال الحياة ، والزموا هذا ليرزقكم اللّه الوفاة عليه ، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، وقد أجرى اللّه الكريم عادته بأنه من قصد الخير وفق له ويسر عليه ، ومن نوى صالحا ثبت عليه . وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ويعمل أهل النار فيما يبدو للناس ، وقد قال اللّه تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [ الليل : 5 - 10 ] .
--> ( 1 ) هي قراءة عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد اللّه المكي ، كما جاء في تفسير القرطبي . ( 2 ) تفسير القرطبي 2 / 136 . ( 3 ) أخرجه مسلم ( مساجد حديث 1 ) وأحمد في المسند ( ج 5 ص 150 ) . وتتمة الحديث : ثم أي ؟ قال : « ثم حيثما أدركت الصلاة فصلّ فكلها مسجد » .