ابن كثير
320
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 133 إلى 134 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) يقول تعالى محتجا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل وعلى الكفار من بني إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة ، وصى بنيه بعبادة اللّه وحده لا شريك له ، فقال لهم ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وهذا من باب التغليب ، لأن إسماعيل عمه ، قال النحاس : والعرب تسمي العم أبا ، نقله القرطبي ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبا وحجب به الإخوة ، كما هو قول الصديق ، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير ، ثم قال البخاري : ولم يختلف عليه ، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين ، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء ، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف ، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة ، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف ، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، ولتقريرها موضع آخر . وقوله إِلهاً واحِداً أي نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئا غيره ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي مطيعون خاضعون ، كما قال تعالى : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران : 83 ] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] ، والآيات في هذا كثيرة والأحاديث فمنها قوله صلّى اللّه عليه وسلم « نحن معشر الأنبياء أولاد علات « 1 » ديننا واحد » . وقوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ أي مضت ، لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ أي إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم ، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وقال أبو العالية والربيع وقتادة تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط ولهذا جاء في الأثر « من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
--> ( 1 ) بنو العلّات : بنو رجل واحد من أمهات شتّى . والمراد بقوله « أولاد علّات » أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة .