ابن كثير

284

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 120 - 121 - 122 ] وقال تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 161 - 162 ] ، وقال تعالى : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 67 - 68 ] ، وقوله تعالى : بِكَلِماتٍ أي : بشرائع وأوامر ونواه ، فإن الكلمات تطلق ، ويراد بها الكلمات القدرية كقوله تعالى عن مريم عليها السلام : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [ التحريم : 12 ] وتطلق ، ويراد بها الشرعية ، كقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] أي : كلماته الشرعية ، وهي إما خبر صدق ، وإما طلب عدل إن كان أمرا أو نهيا ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ، أي : قام بهن قال : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي : جزاء على ما فعل ، لما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله اللّه للناس قدوة ، وإماما يقتدى به ويحتذي حذوه . وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر اللّه بها إبراهيم الخليل عليه السلام ، فروي عن ابن عباس في ذلك روايات ، فقال عبد الرزاق ، عن معمر عن قتادة قال ابن عباس : ابتلاه اللّه بالمناسك ، وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي عن التميمي عن ابن عباس . وقال عبد الرزاق أيضا ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ، قال : ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد ، في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس ، وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء ، قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي ، وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك ، ( قلت ) : وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عشر من الفطرة : قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء ، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة » . قال وكيع : انتقاص الماء يعني الاستنجاء ، وفي الصحيحين « 1 » عن أبي هريرة عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الفطرة خمس : الختان والاستحداد « 2 » وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط » ، ولفظه لمسلم . وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد اللّه الصنعاني عن ابن عباس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية :

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( لباس باب 51 ، 63 ، 64 ) وصحيح مسلم ( طهارة حديث 49 ، 50 ) ( 2 ) الاستحداد : هو حلق العانة . سمي استحدادا لاستعمال الحديدة ، وهي الموسى .