ابن كثير

285

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال : عشر ، ست في الإنسان ، وأربع في المشاعر ، فأما التي في الإنسان حلق العانة ، ونتف الإبط والختان ، وكان ابن هبيرة يقول : هؤلاء الثلاثة واحدة ، وتقليم الأظفار وقص الشارب والسواك وغسل يوم الجمعة ، والأربعة التي في المشاعر : الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والإفاضة . وقال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم ، قال اللّه تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قلت له : وما الكلمات التي ابتلى اللّه إبراهيم بهن فأتمهن ؟ قال : الإسلام ثلاثون سهما منها عشر آيات في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التوبة : 112 ] إلى آخر الآية ، وعشر آيات في أول سورة : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] ، و سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] وعشر آيات في الأحزاب : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتبت له براءة ، قال اللّه : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] هكذا رواه الحاكم وأبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند وهذا لفظ ابن أبي حاتم . وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال : الكلمات التي ابتلى اللّه بهن إبراهيم فأتمهن ، فراق قومه في اللّه حين أمر بمفارقتهم ، ومحاجته نمروذ في اللّه حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه ، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في اللّه على هول ذلك من أمرهم ، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في اللّه حين أمره بالخروج عنهم وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله ، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه فلما مضى على ذلك من اللّه كله وأخلصه للبلاء ، قال اللّه له : أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن ، يعني البصري وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال : ابتلاه بالكوكب فرضي عنه ، وابتلاه بالقمر فرضي عنه ، وابتلاه بالشمس فرضي عنه ، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه ، وابتلاه بالختان فرضي عنه ، وابتلاه بابنه فرضي عنه . وقال ابن جرير « 1 » : أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع ، أخبرنا سعيد عن قتادة قال : كان الحسن يقول : أي واللّه لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه ، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر ، فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول ، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما كان من المشركين ، ثم ابتلاه بالهجرة ، فخرج من بلاده وقومه ، حتى لحق بالشام مهاجرا إلى اللّه ، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة ، فصبر على ذلك ، وابتلاه بذبح ابنه والختان ، فصبر على ذلك .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 575 .