ابن كثير
267
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والربيع بن أنس : حجتكم ، وقال قتادة بينتكم على ذلك : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، أي فيما تدعونه ، ثم قال تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ، أي من أخلص العمل للّه وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [ آل عمران : 20 ] ، وقال أبو العالية والربيع بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يقول : من أخلص للّه وقال سعيد بن جبير : بَلى مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَجْهَهُ ، قال دينه وَهُوَ مُحْسِنٌ أي اتبع فيه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن للعمل المتقبل شرطين : أحدهما أن يكون صوابا خالصا للّه وحده ، والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » ، رواه مسلم « 1 » من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام . فعمل الرهبان ومن شابههم ، وإن فرض أنهم مخلصون فيه للّه ، فإنه لا يتقبل منهم ، حتى يكون ذلك متابعا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، وفيهم وأمثالهم قال اللّه تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] وقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] ، وقال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [ الغاشية : 5 ] ، وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه ، أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي . وأما إن كان العمل موافقا للشريعة ، في الصورة الظاهرة ، ولكن لم يخلص عامله القصد للّه ، فهو أيضا مردود على فاعله ، وهذا حال المرائين والمنافقين ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] ، وقال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ [ الماعون : 4 - 7 ] ولهذا قال تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] وقال في هذه الآية الكريمة : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ، وقوله : فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور ، وآمنهم مما يخافونه من المحذور ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى مما يتركونه ، كما قال سعيد بن جبير ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني في الآخرة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني لا يحزنون للموت . وقوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ، بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم ، كما قال محمد بن إسحاق « 2 » : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : لما قدم أهل نجران من النصارى ، على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند
--> ( 1 ) صحيح مسلم ( أقضية حديث 18 ) ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 542 .