ابن كثير

268

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى وبالإنجيل ، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة ، فأنزل اللّه في ذلك من قولهما : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ، قال « 1 » : إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به ، أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة ، فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى ، وما جاء من التوراة من عند اللّه وكل يكفر بما في يد صاحبه . وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء . وقال قتادة : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ قال : بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قال : بلى ، قد كانت أوائل اليهود على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ، وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا القول يقتضي ، أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى ، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه ، مع علمهم بخلاف ذلك ، ولهذا قال تعالى : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ، أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل ، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت ، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد ، كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها ، واللّه أعلم . وقوله : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة . وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فقال الربيع بن أنس وقتادة كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قالا : وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل . وقال السدي كذلك قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، فهم العرب ، قالوا ليس محمد على شيء . واختار أبو جعفر بن جرير « 2 » أنها عامة تصلح للجميع ، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال ، والحمل على الجميع أولى ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، أي أنه تعالى يجمع

--> ( 1 ) من هنا إلى قوله « في يد صاحبه » رواه الطبري 1 / 543 منفصلا عن الحديث السابق لابن إسحاق ، ولكن بالإسناد نفسه . لذلك يصح ما فعله ابن كثير هنا من الجمع بينهما . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 544 .