ابن كثير

106

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده ، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك ؟ وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وآمركم بالصلاة فإن اللّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفوا ، وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك ، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك ، وآمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه ، فقال لهم : هل لكم أن أفتدي نفسي منكم ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه ، وآمركم بذكر اللّه كثيرا وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره ، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه » قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « وأنا آمركم بخمس اللّه أمرني بهن : الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل اللّه ، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع ، ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم » قالوا : يا رسول اللّه وإن صام وصلى ؟ فقال : « وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم اللّه عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد اللّه » هذا حديث حسن . والشاهد منه في هذه الآية قوله : « وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا » وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له ، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع تعالى ، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب ، وقد سئل ما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال : يا سبحان اللّه إن البعر ليدل على البعير ، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟ . وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات . وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى ، فقال لهم : دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة « 1 » فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد ، فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل ، فقال : ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع ؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا علي يديه . وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع ، فقال : هذا ورق التوت طعمه

--> ( 1 ) موقرة : محملة .