ابن كثير

107

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

واحد تأكله الدود « 1 » فيخرج منه الإبريسم ، وتأكله النحل فيخرج منه العسل وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرا وروثا ، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد . وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال : هاهنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ ، ظاهره كالفضة البيضاء ، وباطنه كالذهب الإبريز ، فبينا هو كذلك إذا انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح ، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة . وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد : [ الوافر ] تأمل في نبات الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات * بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات * بأن اللّه ليس له شريك وقال ابن المعتز : [ المتقارب ] فيا عجبا كيف يعصى الإله * أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد وقال آخرون : من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها ، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب ، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 27 - 28 ] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع وما ذرأ « 2 » في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأرايج « 3 » والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم ، لا إله غيره ولا رب سواه ، عليه توكلت وإليه أنيب ، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو ، فقال مخاطبا للكافرين :

--> ( 1 ) المراد دود الحرير . والإبريسم : الحرير . ( 2 ) ذرأ : خلق . ( 3 ) الأرايج والأرائج : جمع ، أريجة ، وهي الريح الطيبة .